ابن ميثم البحراني

247

شرح مئة كلمة لأمير المؤمنين ( ع )

ذي علم ، وأنما علم الغيب علم الساعة ، وما عدده الله سبحانه بقوله : ان الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ( الآية ) فيعلم ما في الأرحام من ذكر أو أنثى ، وقبيح أو جميل ، وسخي أو بخيل ، وشقي أو سعيد ، ومن يكون للنار حطبا أوفى الجنان للنبيين مرافقا ، فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحد الا الله ، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه - صلى الله عليه وآله - فعلمنيه ودعا لي بان يعيه صدري وتضطم عليه جوانحي . واعلم أنه عليه السلام قصد بذلك اقناع المتكلم بهذا الكلام مع صدقه ومطابقته لما أردناه ، فان معنى تعليم النبي ( ص ) له عليه السلام لهذه العلوم هو اعداده لنفسه على طول الصحبة وتعليمه له كيفية السلوك وأسباب تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة من أنواع الرياضات حتى استعدت نفسه للانتقاش بالأمور الغيبية والاخبار بها ، وأكد ذلك الاعداد بدعائه عليه السلام الصادر عن نفسه القدسية المتصرفة في عالم الكون والفساد وذلك مقرر لما أردناه . الحكم التاسع - ما روى عنه عليه السلام ( 1 ) : من أنه لما قاتل أبو بكر مسيلمة وأسرت

--> ( 1 ) - قال المجلسي ( ره ) في المجلد التاسع من البحار في باب أحوال أولاد أمير المؤمنين علي ( ع ) وأزواجه ( ص 618 - 619 من طبعة امين الضرب ما نصه ) : " يج ( اي الخرائج والجرائح للقطب الراوندي ) عن دعبل الخزاعي قال : حدثني الرضا عن أبيه عن جده عليهم السلام قال : كنت عند أبي الباقر إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد فقالوا : هل رضى أبوك على بامامة الأول والثاني ؟ - قال : اللهم ، لا قالوا : فلم نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم ؟ - فقال الباقر : امض يا جابر بن يزيد إلى منزل - جابر بن عبد الله الأنصاري فقل له : ان محمد بن علي يدعوك ، قال جابر بن زيد فأتيت منزله وطرقت عليه الباب فناداني جابر بن عبد الله الأنصاري من داخل الدار : اصبر يا جابر بن يزيد ، قلت في نفسي من أين علم جابر الأنصاري انى جابر بن يزيد ولا يعرف الدلائل الا الأئمة من آل - محمد عليهم السلام والله لأسألنه إذا خرج إلى ، فلما خرج قلت له : من أين علمت انى جابر وانا على الباب وأنت داخل الدار ؟ - قال : خبرني مولاي الباقر ( ع ) البارحة انك تسأله عن الحنفية في هذا اليوم وانا ابعثه إليك يا جابر بكرة غد وادعوك فقلت : صدقت ، قال : سربنا فسرنا جميعا حتى اتينا المسجد فلما بصر مولاي الباقر ( ع ) بنا ونظر إلينا قال للجماعة : قوموا إلى الشيخ فاسألوه حتى ينبئكم بما سمع ورأي : فقالوا يا جابر هل راض امامك علي بن أبي - طالب ( ع ) بامامة من تقدم ؟ - قال : اللهم ، لا قالوا : فلم نكح من سبيهم إذا لم يرض بإمامتهم ؟ - قال جابر : آه آه لقد ظننت أنى أموت ولا اسأل عن هذا إذ سألتموني فاسمعوا وعوا . حضرت السبي وقد أدخلت الحنفية فيمن ادخل فلما نظرت إلى جمع الناس عدلت إلى تربة رسول الله ( ص ) فرنت رنة وزفرت زفرة وأعلنت بالبكاء والنحيب ثم نادت : السلام عليك يا رسول الله وعلى أهل بيتك من بعدك ، هؤلاء أمتك سبتنا سبى النوب والديلم ، والله ما كان لنا إليهم من ذنب الا الميل إلى أهل بيتك فجعلت الحسنة سيئة والسيئة حسنة فسبينا ، ثم انعطفت إلى الناس وقالت : لم سبيتمونا وقد أقررنا بشهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدا ( ص ) رسول الله ؟ - قالوا : منعتمونا الزكاة ، قال : هب ان الرجال منعوكم فما بال - النسوان ؟ - فسكت المتكلم كأنما ألقم حجرا . ثم ذهب إليها طلحة وخالد يرميان في التزويج إليها ثوبين فقالت : لست بعريانة فتكسواني ، قيل إنهما يريدان ان يتزايدا عليك فأيهما زاد على صاحبه اخذك من السبي ، قالت : هيهات والله لا يكون ذلك ابدا ولا يملكني ولا يكون لي ببعل الامن يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن أمي ، فسكت الناس ينظر بعضهم إلى بعض وورد عليهم من ذلك الكلام ما أبهر عقولهم وأخرس ألسنتهم وبقى القوم في دهشة من أمرها ، فقال أبو بكر : مالكم ينظر بعضكم إلى بعض ؟ - قال الزبير : لقولها الذي سمعت ، قال أبو بكر : ما هذا الامر الذي أحصر أفهامكم ، انها جارية من سادات قومها ولم يكن لها عادة بما لقيت ورأت ، فلاشك انها داخلها الفزع وتقول مالا تحصيل له ، فقالت رميت بكلامك غير مرمى ، والله ما داخلني فزع ولا جزع ووالله ما قلت ، الا حقا ولا نطقت الا فصلا ولابد أن يكون كذلك ، وحق صاحب هذه البينة ما كذبت ، ثم سكتت وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما وهي قد جلست ناحية من القوم . فدخل على ابن أبي طالب عليه السلام فذكروا له حالها فقال : هي صادقة فيما قالت وكان حالتها وقصتها كيت وكيت في حال ولادتها وقال : ان كل ما تكلمت به في حال خروجها من بطن أمها هو كذا وكذا ذلك مكتوب على لوح معها ، فرمت باللوح إليهم لما سمعت كلامه ( ع ) فقرؤوها على ما حكى على ابن أبي طالب ( ع ) لا يزيد حرفا ولا ينقص قال : فقال أبو بكر : خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها . فوثب سلمان فقال : والله ما لاحد ههنا منة على أمير المؤمنين بل لله المنة ولرسوله ولأمير المؤمنين ، والله ما اخذها الا بمعجزه الباهر وعلمه القاهر وفضله الذي يعجز عنه كل ذي فضل ثم قال المقداد : ما بال أقوام قد أوضح الله لهم الطريق للهداية فتركوه واخذوا طريق - العمى وما من قوم الا وتبين لهم فيه دلائل أمير المؤمنين ، وقال أبو ذر : واعجبا لمن يعاند الحق وما من وقت الا وينظر إلى بيانه أيها الناس قد تبين لكم فضل أهل الفضل ثم قال : يا فلان اتمن على أهل الحق بحقهم وهم بما في يديك أحق وأولى . . ؟ - وقال عمار : أناشدكم بالله اما سلمنا على أمير المؤمنين على ابن أبي طالب في حياة رسول الله ( ص ) بإمرة المؤمنين ، فزجره عمر عن الكلام فقام أبو بكر فبعث علي ( ع ) خولة إلى بيت أسماء بنت - عميس وقال لها : خذي هذه المرأة وأكرمي مثواها ، فلم تزل خولة عند أسماء بنت عميس إلى أن قدم أخوها فتزوجها على ابن أبي طالب عليه السلام . فكان الدليل على علم أمير المؤمنين وفساد ما يورده القوم من سبيهم وانه ( ع ) تزوجها نكاحا فقالت الجماعة : يا جابر أنقذك الله من حر النار كما أنقذتنا من حرارة الشك " . وقال أيضا العلامة المجلسي ( ره ) في تاسع البحار في باب معجزات كلامه من اخباره بالغائبات ( ص 582 من طبعة امين الضرب ) : يج - روى أنه لما قعد أبو بكر بالامر بعث خالد بن الوليد إلى بنى حنيفة ليأخذ زكوات أموالهم فقالوا لخالد : ان رسول الله ( ص ) كان يبعث كل سنة رجلا يأخذ صدقاتنا من الأغنياء من جملتنا ويفرقها في فقرائنا فافعل أنت كذلك ، فانصرف خالد إلى المدينة فقال لأبي بكر : انهم منعونا من الزكاة فبعث معه عسكرا فرجع خالد وأتى بنى حنيفة وقتل رئيسهم وأخذ زوجته ووطئها في الحال وسبى نسوانهم ورجع بهن إلى المدينة وكان ذلك الرئيس صديقا لعمر في الجاهلية فقال عمر لأبي بكر : اقتل خالد به بعد أن تجلده الحد لما فعل بامرأته فقال له أبو بكر : ان خالدا ناصرنا تغافل وأدخل السبايا في المسجد وفيهن خولة فجاءت إلى قبر رسول الله ( ص ) والتجأت به وبكت وقالت : يا رسول الله ( ص ) أشكو إليك أفعال هؤلاء القوم ، سبونا من غير ذنب ونحن مسلمون ثم قالت : أيها الناس لم سببتمونا ونحن نشهد ان لا إله إلا الله وان محمد ( ص ) رسول الله ؟ - فقال أبو بكر : منعتم الزكاة فقالت : الامر ليس على ما زعمت إنما كان كذا وكذا ، وهب الرجال منعوكم فما بال النسوان المسلمات يسبين . . ! ؟ واختار كل رجل منهم واحدة من السبايا وجاء طلحة وخالد بن عنان ورميا بثوبين إلى خولة فأراد كل واحد منهما ان يأخذها من السبي قالت : لا يكون هذا ابدا . ولا يملكني الا من خبرني بالكلام الذي قلته ساعة ولدت ، قال أبو بكر : قد فزعت من القوم وكانت لم تر مثل ذلك قبله فتكلم بما لا تحصيل له فقالت : والله انى صادقة إذ جاء على ابن أبي طالب فوقف ونظر إليهم واليها وقال ( ع ) : اصبروا حتى أسالها عن حالها ثم ناداها يا خولة اسمعي الكلام ثم قال : لما كانت أمك حاملا بك وضربها الطلق واشتد بها الامر نادت : اللهم سلمني من هذا المولود فسبقت تلك الدعوة بالنجاة فلما وضعتك ناديت من تحتها : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ( ص ) ، عما قليل سيملكني سيد سيكون له منى ولد ، فكتبت أمك ذلك الكلام في لوح نحاس فدفنته في الموضع الذي سقطت فيه ، فلما كانت الليلة التي قبضت أمك فيها وصت إليك بذلك فلما كان وقت سبيكم لم يكن لك همة الا أخذ اللوح فأخذتيه وشددتيه على عضدك الأيمن هاتي اللوح فأنا صاحب ذلك اللوح وأنا أمير المؤمنين وأنا أبو ذلك الغلام الميمون واسمه محمد ، قال : فرأيناها وقد استقبلت القبلة وقالت : اللهم أنت المتفضل المنان أوزعني ان اشكر نعمتك التي أنعمت على ولم تعطها لاحد الا وأتممتها عليه ، اللهم بصاحب هذه التربة والناطق المنبئ بما هو كائن الا أتممت فضلك على ، ثم أخرجت اللوح ورمت به إليه ، وأخذه أبو بكر وقرأه عثمان فإنه كان أجود القوم قراءة ، وما ازداد ما في اللوح على ما قال علي ( ع ) وما نقص ، فقال أبو بكر : خذها يا أبا الحسن ، فبعث بها علي ( ع ) إلى بيت أسماء بنت عميس فلما دخل أخوها تزوج بها وعلق بمحمد وولدته " . أقول : نقل السيد هاشم البحراني - قدس سره - هذه القضية في مدينة المعاجز من كتاب سير الصحابة بطريقين آخرين واختلاف في بعض خصوصياتها مع ما نقل هنا ، فمن أراد ان يلاحظها بذلكما الطريقين فليراجع كتاب مدينة المعاجز ص 129 - 128 ( من النسخة المطبوعة ) .